المقريزي

911

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ساعة ، فاستغفروا ممّا كان منهم ، وأعادوا ردم القبر كما كان ، وانصرفوا . وكان يوما من الأيّام المذكورة ، وتزاحم الناس على قبر الشّافعيّ يزورونه مدّة أربعين يوما بلياليها ، حتى كان من شدّة الازدحام لا يتوصّل إليه إلّا بعناء ومشقّة زائدة . وكتب أمير الجيوش محضرا بما وقع ، وبعث به وبهديّة عظيمة مع كتابه إلى نظام الملك ، فقرئ هذا المحضر والكتاب بالمدرسة النظاميّة « a » ببغداد وقد اجتمع العالم على اختلاف طبقاتهم لسماع ذلك ، فكان يوما مشهودا ببغداد . وكتب نظام الملك إلى عامّة بلدان المشرق - من حدود الفرات إلى ما وراء النهر - بذلك ، وبعث مع كتبه بالمحضر وكتاب أمير الجيوش ، فقرئت في تلك الممالك بأسرها ، فزاد قدر الإمام الشّافعيّ عند كافّة أهل الأقطار وعامّة جميع أهل الأمصار بذلك . وقد أوردت في كتاب « إمتاع الأسماع بما للرّسول من الأبناء والأحوال والحفدة والمتاع صلى اللّه عليه وسلم » نظير هذه الواقعة ، وقع لضريح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولم يزل قبر الشّافعيّ يزار ويتبرّك به ، إلى أن كان يوم الأحد لسبع خلت من جمادى الأولى سنة ثمان وستّ مائة ، فانتهى بناء هذه القبّة التي على ضريحه ، وقد أنشأها الملك الكامل المظفّر المنصور أبو المعالي ناصر الدّين محمد ، ظهير أمير المؤمنين ، ابن السّلطان الملك العادل سيف الدّين أبي بكر بن أيّوب ، وبلغت النفقة عليها خمسين ألف دينار مصرية ، وأخرج في وقت بنائها بعظام كثيرة من مقابر كانت هناك ، ودفنت في موضع من القرافة « 1 » .

--> ( a ) بولاق : بالنظامية . ( 1 ) فيما تقدم 851 . وما تزال قبّة الإمام الشّافعي قائمة في الشّارع المعروف به والذي يبدأ من أسفل كوبري السّيّدة عائشة عند باب القرافة . ( راجع ، ابن جبير : الرحلة 22 - 23 ؛ الموفق ابن عثمان : مرشد الزوار 483 - 496 ؛ ابن عبد الظاهر : الروضة البهية 104 ؛ ابن الزيات : الكواكب السيارة 209 - 215 ؛ حسن عبد الوهاب : تاريخ المساجد الأثرية 106 - 113 ؛ أحمد فكري : مساجد القاهرة 2 : 33 - 36 ؛ سعاد ماهر : مساجد مصر 2 : 140 - 157 ؛ محمود وصفي محمد : مقام الإمام الشافعي والعشاري 608 ه - 1211 م ، مجلة كلية الآثار - جامعة القاهرة 2 ( 1977 ) ، 220 - 232 ؛ عاصم محمد رزق : أطلس العمارة الإسلامية 1 : 971 - 983 .